vendredi 6 janvier 2017

العرب و السود و الحراطينفي ولاية أدرار

تحقيق : حكيم . ص ( الخبر الأسبوعي العدد 183 من 31 أوت إلى 06 سبتمبر 2002 صفحة 08 و09 )

ادرار تمنراست

للبيــــــض مســـــاجــــدهــــم و للحراطـــــــــيـــــــــن مســـــاجـــــــدهــــــــــم

ما يحدث من تجاذبات بين البيض و ذوي البشرة السمراء و السوداء في ادرار و تمنراست على اعتبار أن الولايتين تشهدان نفس الظاهرة تقريبا يقود إلى التساؤل الذي يطرح نفسه بنفسه إلى متى يبقى السود يصلون في مساجد لوحدهم و البيض يفعلون نفس الشيء .

سبق لجوزيف كورنو أن عاين الظاهرة قبل أربعين سنة و الغريب أن نفس المواصفات موجودة الآن مع تغيير طفيف "ملكناهم العقار و اقتسمنا معهم البساتين التي كانت بحوزتنا , لكن عقدتهم اتجاه الأصول تظهر في تصرفاتهم على المستوى الاجتماعي و السياسي " .. هذه العبارة الموجزة لإبن أحد علماء الدين تختصر صراعا كبيرا لا يتحدث فيه إلا من ملك شجاعة أدبية تسمي الأشياء بمسمياتها , طالما أن الموضوع يعد من الطابوهات الكبرى المشدودة إلى تاريخ قريب عرفت فيه هذه المنطقة و غيرها من الجنوب ظاهرة بيع و شراء العبيد , و منه بقيت تداعيات العنصرية رديفا لهذه " العقدة " التي عمقتها فرنسا زمن الإحتلال , و الآن برزت ظاهرة أخرى يقف المرء أمامها مشدوها ـ و كأنه يشاهد فيلما امريكيا عن حرب الإستقلال ـ إلى كلمات ووجوه على بساطتها تردد على مسمعه ما هو أثقل في معناه: "ها السوديست ها النورديست "

ادرار التي يفوق عدد قصورها 290 قصرا ما زال التاريخ يحرك حاضرها بكثير من الترسبات التي لم يقو التطور و التوسع العمراني الذي تشهده هذه الولاية خمس مساحة التراب الوطني على كبحها و تجاوز ما تفرزه من عقد , فيها ما هو نفسي , و ما هو اجتماعي , و ما يدخل في باب الصراع المبني في جزء منه على التقسيم الطبقي : الشرفة , المرابطون و الحراطين , و هذه الكلمة الأخيرة هي في الواقع جمع لكلمة " حرطاني " المصفحة , و في الأصل يقال " حرثاني " و تطلق على العبد الذي اعتق و صار حرا ثانيا بعد الأحرار الذين هم ـ في الواقع السوسيولوجي للمنطقة حتى منتصف القرن الماضي ـ عبارة عن عرب الشرفة و المرابطين من أصول عربية ذات بشرة بيضاء أو تميل للسمرة , عكس " الحراطين " الذين جلبوا كعبيد من جنوب السودان و اثيوبيا في القرون الماضية , و خدموا الشرفة في المنطقة إلى أن أعتقوا تماما و شاركوهم في العقار و البساتين و مختلف مرافق الحياة اليومية .

عكس مقولة المعارض الإيراني المغتال في لندن سنة 1977 و هو علي شريعاتي " التاريخ مقبرة موحشة " وجدنا التاريخ في ادرار عائد في لبوس ثقافي و اجتماعي و اقتصادي و سياسي , ذلك أن بعض الترسبات التي تركتها الحقب السابقة ما تزال تسيّر العلاقات الإجتماعية و السياسية في هذه المنطقة بما يفيد أن الماضي يتحكم في فواصل و مفاصل الحاضر , مثلما يحدث في مدينة " اولف " حيث العنصرية النابعة من اللون و المرتبة الإجتماعية المشبعة بترسبات التاريخ و أثار العبودية سابقا , بارزة يحدثك فيها العام و الخاص لما تركته من صراع يختفي ليعود مرة أخرى ....

في التشريعيات الماضية عرفت أولف ترسيخا آخر لنوع من العنصرية ركبت رياح السياسة بناء على ظاهرة مبنية على تقسيم تعرفه هذه المنطقة السياحية بين " البيض و الكحاليش " , و يأخذ هذا التقسيم أبعادا أخرى كالشرفة و الحراطين , أو رفض الآخر بناء على اللون أو كونه كان " سيدا " فيما سبق . قد يبدوا هذا أمرا خياليا لكن ما حدث في أولف في التشريعيات الماضية يوحي أن هذه الظاهرة مرسخة حتى على الصعيد السياسي , حيث جرى إتفاق بين ما يسمى " بالحراطين " على مساندة مرشح حركة النهضة , و هو منهم , على أساس أنهم يبحثون على بزّ الآخرين كما يرغبون في تحقيق أكبر عدد ممكن من الذرية كما جرت تقاليدهم المتوارثة أبا عن جد . و هناك سابقة أخرى وقعت زمن الفيس المحل حين اتفق هؤلاء على الدخول جماعات جماعات في هذا التنظيم . و يقول مصدر

محلي أن استمارات الإنخراط في الفيس تم جلبها بسرعة قصوى من العاصمة , فكانت أولف بذلك ثالث مدينة في الجزائر كلها تعرف مناضلين مهيكلين و منخرطين رسميا في الفيس بعد مناضلي القبة و باب الوادي , أو حسب ما ردده بعض مثقفي هذه المنطقة ممن حاورناهم , و قد سئموا صراعات محورها عنصرية جذرها في التاريخ و بصماتها حاضرة في الدوائر الإنتخابية و الفضاءات التجارية و الإقتصادية , و بشيء أقل في العلاقات الإجتماعية التي لم تتضرر كثيرا بهذه الظاهرة , كون الناس هنا ما زالوا يتبادلون الزيارات و التعازي و يشاركون العريس فرحه في " طابلو " يجعل الصورة جميلة . لكن سرعان ما تتبدد الالوان و تظهر خلفية صورة يؤمن محركوها بتقسيم أول هو عرب شرفة و حراطين , و في تقسيم ثاني أعم تلوح في الأفق علامات أخرى مختصرة في هذه الجملة : " ها السوديست ها النورديست " .

لمـــاذا هــــذا السلــــوك ؟

تعتبر أولف , مثل كثير من الواحات الصحراوية , على مستوى التركيبة السوسيولوجية خليطا بشريا مكونا من العرب و السود و الحراطين و أحفاد العبيد تعايشوا منذ قرون , لكن عامل الزمن لم يؤد إلى ذوبان " الفروق النفسية " بين هؤلاء و هؤلاء , بل ظلت هذه الفروق تغذي شعورا غريبا لدى الطرفين معا , فلا الشرفة في بعض المناطق الصحراوية " اعترفوا " بتفوق الحراطين بعد أن تعلموا و حصلوا على شهادات عليا , و لا الحراطين قبلوا بفكرة أن " سيد " الأمس صار مثله مثل الآخرين بعد إلغاء العبودية رسميا بعد الإستقلال .

السؤال المذكور طرحناه على الشيخ محمد باي بلعالم , شيخ المدرسة القرآنية مصعب بن عمير بأولف , غير أن الرجل ابتسم كعادته و قال أن العنصرية موجودة و في بعض الأحيان تكون ظاهرة للعيان , و هو ما يؤكده ابنه عبد القادر الذي يزيد عنه بقوله أن سلوك " الحراطين " تجاه العامة يتغير بحسب المزاج , و يضرب مثلا بشيخ بلدية أولف الذي دعمه آل بلباي في الانتخابات البلدية , و كان أن كافأهم بأن تحاشاهم حتى الآن , أو حسب تعبير عبد القادر " كنا أول ضحاياه " .

و من بين أكثر أوجه العنصرية بروزا في الجنوب الجزائري ما يلاحظ بـ " إنغر " الواقعة على بعد 800 كلم عن تمنراست حيث أن التفرقة العنصرية ـ حتى و إن كانت بسيطة في شكلها ـ أوصلت سكان هذه المنطقة إلى تقسيم آخر يظهر في المساجد , فللبيض مساجدهم و للحراطين مساجدهم , و أكثر اشكال رفض الاختلاط موجودة بهذا المكان في عمق الصحراء , فمن الصعب قبول الآخر مهما كانت صفته أو مرتبته الاجتماعية, لأن الأشياء هنا يحكمها منطق آخر يحتكم إلى عرف القبيلة و الأسطورة , و تراكمات التاريخ . وفي " أقبلي " وصل الأمر في السبعينيات إلى درجة أثارت مشاعر أحد الحراطين المحترمين ـ حسب شهادات من أولف و أقبلي ـ فوقف في الناس خاطبا بحماس طالبا من " الحراطين " تخليص العنصرية من دواخلهم تجاه العرب .

و قد ركز في خطبته المشهورة على أن " العرب و التوارق اشترونا و حررونا في سبيل الله و أدخلونا الاسلام الذي هو أعز شيء لدينا و زوجونا و أكثر من ذلك ملكونا العقار مثلنا مثلهم و لم يحرمونا منه " لكن الخطبة الحماسية ذهبت مع أدراج الرياح و لم يبق منها إلا أريج خفيف حفظته الذاكرة الجماعية بالمنطقة . و لم يفهم عبد القادر حتى الآن كيف أن الكثير من " الحراطين " انتخبوا في أولف على متصدر قائمة النهضة و هو " حرثاني " و كيف أن " الحراطين " يبحثون دوما عن وسيلة سياسية من محيط الحركة الإسلامية و ليس خارجها كالاحزاب الأخرى , و لعل ملاحظة هذا المدرس للعلوم الشرعية في مدرسة مصعب بن عمير كانت سببا في مخاطبة والي أدرار مبروك بليوز للمجتمع المدني بأولف في زيارته له في الأسبوع الثاني من شهر جوان الماضي , حيث رمى في أحضانهم رسالة مفادها أنهم لم يعجبوا السلطات في التشريعيات الماضية , و الأكيد أن المقصود من هذا الإيحاء هو مساندة أهالي المنطقة لمرشح النهضة طالما أن أكثرية سكان دائرة أولف هم من الحراطين كحقيقة سوسيولوجية لا ينكرها احد بما في ذلك السلطات المحلية ,

التــاريـــخ و الـــــدور الفـــرنســــــي

يعتقد الكثيرون أن ظاهرة العنصرية مرتبطة بعقدة تاريخية ترجع إلى أيام بيع و شراء الرقيق , و كان لفرنسا دور بارز في تعميق هذه العقدة تسهيلا لتحكمها في الجنوب وفق سياسة تقترب من أسلوب فرق تسد , و إن كان هذا الدور لا ينفي وجود عوامل أخرى ساهمت بشكل أو آخر في تعميق الظاهرة .

و ليس هذا الاعتقاد هو العامل الوحيد في وجود هذه العقدة على ما يبدو و إن كانت لها النسبة الأكبر في تشكيل ما يشبه ميزان قوة اجتماعية تسيّر العلاقات المتداخلة في المجتمع المحلي المعروف عنه زواج البيض من البيض و الحراطين مع الحراطين , و لو أن لهذه القاعدة استثناءات يبدو أنها بدأت تكبر , حيث صار البيض يتزوجون من غير الشرفة , و ذوي البشرة السمراء يقصدون أهل الشمال و يتزوجون منهم في محاولة للخروج من التصنيف التقليدي للزواج بالمنطقة .

في القديم ـ و حسب عبد القادر بلعالم و غيره من المثقفين الذين التقيناهم ـ كانت ظاهرة الزواج كإحدى ركائز التأسيس للعلاقات الاجتماعية مبنية على فلسفة خاصة تقول بأن " الشرفة لا يزوجون مواليهم من بناتهم حفاظا على بنات الموالي من البوار " و في تقديرهم كان التخوف قائما , و تظهر تجليات هذا التخوف في الوقت الحاضر من خلال ظاهرة مرتبطة بزواج الحراطين من بنات الشمال الجزائري و بالتالي نتج عن هذا التوجه بوار بناتهم و بنات عمومتهم " .

و يقول مصدر محلي , رفض ذكر اسمه و هو دارس لتاريخ المنطقة , أنه بعد دخول فرنسا لهذه المنطقة في بداية القرن الماضي من خلال بوابة عين صالح , بعد مقاومة كبيرة للأهالي لهذا المحتل , قامت السلطات الفرنسية بدراسة شاملة للمنطقة دامت بين 12 إلى 13 سنة , و قد ركزت في دراستها تلك على المخزون التقليدي لأدرار و ما جاورها بناء على التركيبة السوسيولوجية للشرفة كمرجعية ثقافية و دينية و سوسيولوجية , ثم درست العرب ( كتركيبة سكانية ) و ركزت على عرب اولاد زنان و هم قبائل من أصول تلمسانية , ثم درست المرابطين و أخيرا الحراطين , و من هذه الدراسة استخلصت ضرورة تمييز هذا عن ذاك . و ظهرت بذلك فكرة " القياد" الذين استخدمتهم للتحكم في المنطقة أكثر إلى جانب الدور الذي لعبته الزوايا في فترة الاحتلال حيث كانت فرنسا " تدعمهم بالمال و المأكل لأسباب مرتبطة بتحقيق تحكمها في هذا الجزء من البلاد " , كما يقول الأستاذ حمادي أحمد الحاج , و قد عاصر جزءا من معاملات فرنسا للأهالي في ذلك الوقت , و أكثر من ذلك يقول الأستاذ السيد حمادي أن الفرنسيين بنوا قببا كثيرة في أملاكهم لإيهام الأهالي بأن هذه القبب لأولياء صالحين حتى لا يتعدوا على أملاكهم , و قد نجحت هذه الفكرة الشيطانية و اعتقد الناس فعلا أنها لأولياء صالحين , و هو ما دفع بالحاكم الفرنسي لعين صالح في بداية القرن الماضي ـ حسب نفس المصدر ـ ادعى " إمعانا في التفرقة " أنه حلم ببابا الفلاني ( اسم اختلقه على الرغم من وجود قبيلة في أواسط افريقيا تدعى فلان ) الذي قال للحاكم بأن عليه تحويل مقبرة في عين صالح إلى مكان للزيارة مخصص للسود ( الحراطين ) و منه قال للحراطين " لكم الآن زيارة كما هو الحال بالنسبة للشرفة و العرب "

هل هذه التفرقة عنصرية فقط ؟

في الواقع لجأت فرنسا عند دراستها للمنطقة في القرن العشرين إلى إحداث تصنيف آخر لها يعمق الفوارق السوسيولوجية و الفلكلورية أحيانا , و من ذلك ما يؤكده جوزيف كورنو في دراسته لأولف و أقبلي و تيط و تيمقطن , و غيرها استنادا إلى أرشيف معهد باستور الذي استعان به و استخرج منه تاريخ الزحف الفرنسي على الجنوب الجزائري و الاستكشافات التي قام بها مغامرون فرنسيون للمنطقة انطلاقا من طنجة المغربية و بايعاز من السلطات الفرنسية نفسها .

و قد عمد هذا الباحث في المخزون الثقافي و التقليدي بأدرار إلى تصنيف الأهالي عرقيا و زاد عن ذلك ـ مثلما وقع في كتابات أخرى ـ بأن وزع هذا التصنيف العرقي على جغرافيا المنطقة مما أوصله إلى إقرار تقسيم جغرافي فيه من اللمسات الفرنسية بنفس القدر الذي تركته الطبيعة : تيدكلت , توات و القرارة . و من هذه المناطق الجغرافية الصحراوية خرج إلى الوجود تقسيم يؤمن به الأهالي و هو كالآتي :

القرارة و عاصمتها تيميمون و يمثلها الزناتة و هم من الأمازيغ الأوائل , تيدكالت نجد العرب ثم التوارق , و منطقة توات الجامعة بين العرب و المرابطين و في الدرجة الثانية نجد الزنوج , و قد كانت توات في القرن السادس عشر عاصمة للمنطقة برمتها . يروي كورنو في وثيقة نادرة ما قامت به فرنسا لأجل الاستحواز على الصحراء بداية من محاولة الملازم الأول "بالات " ( PALAT ) الوصول إلى عين صالح , و قد اغتيل في اولاد زنان في فيفري 1886 .

و في 1888 أراد كاميي دولس تكرار محاولة " بالات " فانطلق من طنجة و وصل إلى الساورة ثم توات بلباس عربي , و قد أطلق على نفسه اسم الحاج عبد المالك , لكن تنكره سرعان ما انكشف بعد اجتيازه منطقة توات , وصل إلى أولف في ديسمبر من نفس السنة رفقة قافلة من اولاد زنان , و في حاسي ايليتن بين أولف و أقبلي شنقه تارقان كانا يعملان لديه كدليلين و قد نصب له تمثال في هذا المكان أثناء الإحتلال الفرنسي .

و كان أول اوروبي حاول دخول منطقة تيدكلت هو الميجور الانجليزي غوردن لاينغ , في 10 جانفي 1826 من أقبلي و كانت وجهته آنذاك هي تيمبكتو بمالي , كما غامر غيرهارد رولف بعد ذلك في سبتمبر 1864 حيث أنطلق من المغرب عن طريق تافيلالت ثم الساورة و توات , و وصل إلى تيمقطن , و قد تنكر هو أيضا في هيئة طبيب تركي و استقبله شيخ " أولف العرب " و هو من اولاد زنان ثم رحل على تيط و وصل عين صالح في رحلته الاستكشافية و التي ساعدت الفرنسيين لفهم جغرافيا التيدكالت الغربي و فهم سوسيولوجيا المنطقة كعاملين ساعدا كثيرا في احتلال هذا الجزء الغربي من الصحراء سنة 1900 بعد مقاومة كبيرة للأهالي الذين شهدوا سقوط عين صالح سنة قبل هذا التاريخ و تيقنوا من الأطماع الفرنسية تجاه خيراتهم و قصورهم و ما يشكله فضاءهم من خلفيات ثقافية و دينية عملت على كسر شوكتها و تقوية العناصر السلبية إحكاما للقبضة الفرنسية على قوم متمرسين في الحرب و الإغارات .

و لعل هذا الإخلال بالسلطة الروحية و الدينية في أدرار هو الدافع الرئيسي لأب الشيخ محمد باي بلعالم المعروف في الجزائر كلها حين قال منشدا

أهل زماني اتخذوا يا حسرتي

كل فعل مجــلـــب للــبدعـــــة

اتخذوا القـبـب للاصطيــــــاد

يحضرها أهل اللهو و الفساد

و يبدو ثانيا أن الخلافات الدينية بين الزوايا و المدارس القرآنية و العلوم الشرعية قد دفعت لقول هذا بعدما لاحظ أن الدور الديني في المنطقة هوى نحو الأسفل , و أصبح أعداء العلم ينشرون البدع حيثما اتفق إلى أن فقدت الزاوية كينونتها و كنهها فما عادت تلعب دورها حسب عبد القادر بلعالم , كما هو واضح من خلال الحروف المكونة لهذه الكلمة , حيث الزين يرمز إلى الزهد و الألف إلى الإيمان و الواو إلى الورع و الياء إلى اليقين و التاء إلى التوبة و كل هذه الأحرف بمعانيها تشكل الشروط الفعلية لقيام الزاوية , و إذا انتفت كانت اسوار بلا روح في عرف العاملين في الحقل الديني و الدعوي . و أغرب ما يستغرب له أهل أدرار هذه الأيام تلك النية التي برزت لدى أصحاب الأموال لإنشاء زوايا جديدة ؟ و كأن عدد الزيارات الموجودة الآن غير كافية و هي 300 زيارة سنويا و أشهرها زيارة " السبوع " بتيميمون و عاشوراء بتمنطيط و المولد بزاوية كنتة و زيارة الرقاني

مســـار العبيـــد و اليهـــــود< p> يجمع كبار السن في أدرار و حتى تلك الدراسة التي قامت بها السلطات الفرنسية على أن العبيد الذين جلبوا إلى هذه المنطقة في غالبيتهم من جنوب السودان عندما كانت التجارة مزدهرة في هذا الجزء من القارة الإفريقية , و كانت القوافل تجوب المغرب مرورا بالساورة و منطقة أدرار ثم تيمبوكتو و ڤاو بمالي وصولا إلى السودان و يقال حسب روايات تاريخية تختلط بالأساطير أن العبيد المجلوبين من هناك هم في واقع الحال يهود فلاشا جلبوا بدورهم من إثيوبيا و ربما الصومال . و نجد أن كورنو يورد معلومات تفيد بأنه حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانت " تيط "مركزا مهما للبضائع و حتى العبيد القادمين من السودان و يذكر أن " تيط " نهبت كلها في سنة 1881 و أنها عرفت نهب قوافلها من قبل الرحل , و أنها شهدت هجمات و هجمات مضادة و حينها كانت هذه المنطقة معروفة نسبيا من خلال سلسلة طويلة من الصراعات و الإغارات بين القبائل , فأولف و أقبلي ـ مثلما يذكر ـ هاجمتهما قبائل الخنافسة و الغنانمة ببني عباس .

الشيخ محمد باي بلعالم يذكر أيضا أن نسبة كبيرة من العبيد و أحفادهم ذوي أصول يهودية استوطنوا أدرار و أجزاء مترامية من جنوب البلاد حيث " تفاعلت الديانات بالمنطقة و منها اليهودية " حسب تعبير الشريف الأدرع مدير الثقافة بأدرار , و الذي يرى أنه كان لليهود دور مهم في التجارة و الصناعة (صناعة الصابون و الحلي ) . و على مر الزمن وصل تحكم اليهود في هذه المناطق إلى التحكم في أرزاق الناس , و هو ما دفع بالشيخ عبد الكريم المغيلي للتصدي لهم و زاد عناده لهم عندما أثروا على قاضي القضاة المسمى العصنوني الذي وافقهم هواهم . عندما راسل المغيلي شيوخا في المشرق و المغرب و طالب بتطبيق صفة الذميين على اليهود و قد وافقوه الرأي و انتصر على سطوة يهود تحكموا في التجارة و الصناعة و أرزاق الناس .

مرت العقود و القرون و اندمج العبيد ثم الحراطين من أصول أخرى مالية و نيجيرية و مناطق افريقية أخرى في الحياة العادية و اشتغلوا في بساتين النخيل و الزراعة و التجارة و كانوا بمثابة " الخماسة " و لهم على أسيادهم حق الأكل و المبيت و الزواج , لأن القاعدة التي كانت مطبقة في ذلك الوقت تفيد بوجود " الموالي " و الأحرار سواء كان الأحرار عربا و شرفة أو توارق أمازيغ , يقول السيد حمادي أن الرق في الجزائر بقي حاضرا حتى بعد الاستقلال في عهد الرئيس بن بله الذي وجد بين يديه في يوم من الأيام ( سنة 1964 ) مراسلة خاصة وقعها مجموعة من المعلمين من أدرار و تمنراست ترشده إلى وجود ظاهرة بيع العبيد بتمنراست , و كان المعلم الفرنسي ميشو أول من أثار الانتباه إلى وجودها و سعى إلى تكوين بعثة كان يفترض أن تقصد رئاسة الجمهورية آنذاك للمطالبة بوضع حد لبيع الانسان للانسان في خطوة أولى هدفها الدفاع عن حقوق الانسان في الجزائر ما بعد الاستقلال على الرغم من أن الرق رسميا كان محرما .

إلـــــــى متـــــــى ؟

ما يحدث من تجاذبات بين البيض و ذوي البشرة السمراء في أدرار و تمنراست على اعتبار أن الولايتين تشهدان نفس الظاهرة تقريبا , يقود إلى التساؤل الذي يطرح نفسه بنفسه إلى متى يبقى السود يصلون في مساجد لوحدهم و البيض يفعلون نفس الشيء و إلى متى يبقى رفض الآخر حتى و إن كان هذا الآخر يسمى " الشناوة " أي أهل الشمال الذين آثروا الاستقرار في أدرار و غيرها طمعا في الوصول يوما إلى تحقيق ما وعدت به الحكومة منذ سنوات طويلة عند الحديث عن كاليفورنيا الجنوب ؟

تساؤلات كهذه نابعة من ملاحظات يمكن تسجيلها على مر الزمن في أدرار التي عودتنا على جمالية فلكلورية و طبوع تدعوا للتأمل و هجران المدينة بما تمثله من حضارة و ضغوط نفسية . و الغريب أن " رفض الآخر " مرتبط في الأذهان بحقيقة أخرى لا ينكرها الأهالي وهي أنه " لو توقف البنو ـ و يقصد به شاحنات التموين بالبضائع المختلفة ـ لتوقفت الحياة " في هذا الجزء الساحر سياحيا من البلاد , و هو مصدر إلهام للشعراء و الروائيين و السياح الأجانب و حتى رجال الأعمال الذين سئموا الساحل بكل ما فيه و غامروا في أدرار لإنتاج الطماطم و كل الخضروات التي تزين موائد آلاف العائلات في الجنوب و الشمال على السواء .

البــصــمـــة

رغم أهمية المنطقة دينيا , وجد الباحث كورنو مجالا خصبا لدراسة سكان الجنوب من حيث التركيبة السكانية و الروابط القبلية في النصف الأول من القرن الماضي و انتهى إلى نتيجة مدعمة بالإحصائيات في أولف و أقبلي و تيط و عين بلبل تقول أن السكان في هذه المنطقة يمثلون العرب و السود و الحراطين و أحفاد العبيد , و زاد عليها ملاحظة كانت مهمة بالنسبة للفرنسيين , و هي أن هذه التركيبة موجودة في كل الواحات الصحراوية .

كورنو استند إلى إحصاء سنة 1954 و أصدر كتابه أربع سنوات لاحقا و فيه تحدث عن أولف المشكلة من 8273 نسمة . منها 4056 من البيض و 4217 من السود

المصدر: من أغرب ما شهدته عن العنصرية في أدرار

source

منتديات ملتقى الموظف الجزائرى

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire